الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
417
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ولماذا تعبدون كائنات هي نفسها خاضعة لقوانين الخلقة ونظام الوجود ، ولها شروق وغروب وتخضع للتغيرات ؟ إن السجود لا ينبغي إلا لله خالق هذه الموجودات ! إن خالق هذه الموجودات ومودع النظم والقوانين فيها لا يغرب ولا يأفل ولا تمتد يد التغيير إلى محضر كبريائه عز وجل . وبهذا الشكل تنفي الآيات أحد الفروع الواسعة لانتشار الشرك وعبادة الأصنام المتمثلة في عبادة الكائنات الطبيعية النافعة ، فينبغي للجميع أن يبحثوا عن علة العلل وأن لا يتوقفوا عند المعلول ، نعم ينبغي البحث عن خالق هذه الموجودات ! إن هذه الآية تستدل - في الواقع - على وجود الخالق الواحد عن طريق النظام الواحد الذي يتحكم بالشمس والقمر والليل والنهار ، وإن حاكميته تعالى على هذه الموجودات تعتبر دليلا على وجوب عبادته . قوله تعالى : إن كنتم إياه تعبدون فيه إشارة إلى ملاحظة مؤداها : إذا كنتم تريدون عبادة الخالق فعليكم إلغاء غيره من الشركاء في العبادة ، لأن عبادته لا تكون إلى جانب عبادة غيره . وإذا لم يؤثر هذا الدليل المنطقي في أفكار هؤلاء ، واستمروا مع ذلك في عبادة الأصنام والموجودات الأخرى ، ونسوا المعبود الحقيقي ، فالله تعالى يخاطبهم بعد ذلك بقوله : فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ( 1 ) . فليس مهما أن لا تسجد مجموعة من الجهلة والغافلين حيال جبروت الله
--> 1 - " لا يسأمون " : من كلمة ( السئامة ) وتعني التعب من الاستمرار في العمل أو في موضوع معين . ضمنا فإن جملة ( فإن استكبروا ) جملة شرطية جزاؤها محذوف ، والتقدير هو : فإن استكبروا عن عبادة الله وتوحيده فإن ذلك لا يضره شيئا " .